
بين هجرة الرسول(ص)
وهجرة سبطه الحسين(ع)
كثير من المسلمين والمسلمات يحتفلون بذكرى الهجرة النبوية الشريفة وهم يجهلون الكثير عن حقائقها وتفاصيلها، وأكثرهم يتجاهل تلك الحقائق والتفاصيل وفي نفس الوقت أهملوا الإحتفاء والإحتفال بذكرى عاشوراء التي كانت وما تزال الجزء المتمم لحدث الهجرة.
إن الفرق بيننا وبين الإمام الحسين في إحياء ذكرى الهجرة هو أننا في يوم الهجرة أو ليلتها نشعل الشموع ونقيم الإحتفالات ونقرأ المدائح وننشر الأفراح، أما الإمام الحسين(ع) فلقد أحيا ذكرى هجرة جده بطريقته الخاصة، أحياها بمعنى إحيائها بعد أن ماتت واندثرت معالمها ودُفن ذكرها، فجاء الحسين وأعطاها الحياة مجدداً وكتب لها الإستمرار وحصّنها من مس يد الأشرار وذلك عن طريق الثورة التي قام بها في منطقة كربلاء عام واحد وستين للهجرة.
وما بين هجرة الجد وهجرة السبط فاصل زمني كبير وهو ستون عاماً حيث حصلت هجرة الجد قبل ولادة السبط بأربع سنوات، ولكن هذا الفاصل الزمني الواسع لم يغير من واقع الأمر شيئاً لدى الحسين الذي خطط لحفظ معالم الهجرة المحمدية منذ الصبا، وقد كان التنفيذ على مستوى التخطيط والدراسة التي قام بها الحسين عبر عقود من الزمن.
لقد أحاط الخطر الفعلي بالإسلام والأمة خمس مرات، وقد استطاع كل معصوم أن يلعب دوره أمام هذا الواقع ويقوم بالواجب على أكمل وجه وأتم صورة، وهنا يظهر لنا الفضل العظيم للنبي وآله لأنه بسببهم بقي الدين وانتشرت تعاليمه في بقاع الأرض وهذا حق حصري للنبي وآله حيث عملوا للإسلام عندما عمل المسلمون على قتل دينهم بأيدهم، وعندما استعملوا الدين وسيلة للوصول إلى غاياتهم السيئة بينما لم يكن للنبي وآله غاية خاصة من وراء جهودهم وجهادهم بل إنما كانت غايتهم من كل ما صنعوه هو رضا الله عنهم، وقد كان ذلك وساماً قرآنياً عُلّق على صدورهم مدى الحياة وقد كشف لنا القرآن المجيد عن نواياهم الحسنة عندما امتدحهم ببيان مرادهم(لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا)
إذاً.. لقد أحاط الخطر الفعلي بالإسلام خمس مرات وكان في كل مرة ينقشع ذلك الخطر بفضل وعي وحكمة وبطولة وشجاعة أهل البيت(ع).
ففي المرة الأولى أحدق الخطر المميت بالنبي والمسلمين في مكة عندما اتُخذ القرار الحاسم في القضاء على الرسول لاعتقادهم بأن قتل الرسول يحل لهم المشكلة ويقضي على العقيدة التي زرعها في نفوس الذين اعتنقوا الإسلام حقاً وصدقاً، فأمره الله تعالى بالهجرة، وقد كان هناك هجرتان الأولى بقيادة جعفر بن عبد المطلب مع مجموعة من المسلمين إلى الحبشة التي كان يحكمها النجاشي، والثانية بقيادة الرسول المباشِرة إلى المدينة المنورة، وبهذه الطريقة انقشع شبح الخطر عن الرسالة والرسول والمؤمنين.
ولم تكن الهجرة لتنجح ولم يكن الخطر لينقشع إلا بسبب مباشر شكّل الأساس الأول في نجاح الهجرة، ولولا هذا السبب لحصل ما لم يكن بالحسبان، السبب هو عمل بطولي إستشهادي تضحوي إيثاري قام به إمام الكون علي بن أبي طالب(ع) وهو مبيته على فراش الرسول بعد أن رفض كل المسلمين القيام بهذه المهمة الصعبة المحفوفة بالخطر الذي كان أقله الموت.
لم يشعر علي بالخوف لأنه كان يتمنى أن يقوم بهذه المهمة قبل غيره ولكن الرسول ألقى الحجة على المسلمين قبل ذلك كيلا يقول أحد له بعد نجاح الهجرة لو كلفتني بهذه المهمة لقمت بها دون علي بن أبي طالب لأن كثيراً من الذين التفوا حول الرسول أرادوا الحصول على المناقب والمفاخر من دون جهد أو عناء أو خطر، وهذا لا يمكن أن يحصل بهذه الطريقة لأن طريق المجد والسعادة محفوفة بالمخاطر دائماً، والرابحون هم السابقون، ولم يكن في ذلك العهد سبّاق للخير بعد الرسول سوى أمير المؤمنين علي(ع).
وهنا أوجه كلامي لكل الذين احتفلوا بذكرى الهجرة لأقول لهم: إن احتفالكم بهذه الذكرى وبهذه الطريقة التقليدية مزعوم وموهوم لأنكم احتفلتم بها بطريق أجنبي عن واقع الإحتفال بها، وهنا أسألكم: كيف احتفلتم بذكرى الهجرة وقد أهملتم أهم حدث فيها؟ وأهم حدثٍ فيها هو السبب في إنجاحها، والسبب الرئيسي في إنجاحها هو مبيت علي على فراش الرسول في تلك الليلة الصعبة والمصيرية.
وأسألكم مرة أخرى وأقول لكم: هل معنى الهجرة محصور في قوله تعالى(ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا) هل هذه منقبة لصاحب الرسول حتى تتغنوا بها عبر قرون من الزمن، ألم تعلموا بأن فيها نوعاً من التوبيخ، ألم تسألوا أنفسكم لماذا قال الرسول لصاحبه لا تحزن؟ قالها له مراراً بعد أن أعياه من شدة خوفه، ومعنى لا تحزن هنا هو لا تخف لأنه كان يرتجف من الخوف.
بربكم ما هي المنقبة الحقيقية؟ هل هي (لاَ تَحْزَنْ) أو التضحية التي قام بها علي ليلة الهجرة؟
أترك الجواب لعقولكم وضمائركم لأنها هي الحَكَم الأول والأخير في هذا المجال.
وفي المرة الثانية أحدق الخطر الفعلي بالإسلام والأمة في المعركة التي تحزّب فيها الأحزاب وتآمروا على الرسول والمسلمين فأجمعوا أمرهم وتعاونوا على الإثم والعدوان عندما قرروا القضاء على هذا الدين الذي جاء به محمد من عند ربه والذي كان السبب في تجريدهم من مجدهم القائم على الضلال والظلم والفساد، والذي كان السبب في هدم عروشهم التي قامت على دماء الأبرياء وأموال البسطاء وخوف الضعفاء.
ففي معركة الأحزاب كان الموقف حاسماً ومصيرياً وذلك عندما توقف النصر على مواجهة بطل المشركين وفارس رسانهم عمرو بن عبد ود العامري الذي اشتُهر بين القبائل العربية بالبطولة والشجاعة والإنتصار الدائم على الخصم، ونفس الإمتحان الحرج الذي وقع به المسلمون قبيل الهجرة وقعوا فيه في معركة الخندق عندما سيطر عليهم الخوف وخصوصاً عندما دعاهم الرسول إلى مبارزة عمر بن ود فلم يجد للقيام بهذه المهمة سوى أبي الهمم وصاحب البطولات المميَزة علي بن أبي طالب الذي شكّل في تلك المعركة الحاسمة بيضة القبّان فلو قُتل علي في معركة الأحزاب لقُتل بقتله الإسلام كله، وهذا ما كشف عنه الرسول بكل جلاء ووضوح عندما قال نزل الإيمان كله إلى الشرك كله، وهذه شهادة أخرى من الرسول لعلي أنه الأقوى والأفضل.
وقد عمّت الرحمة صفوف المسلمين بضربة علي لعمر بن ود تلك الضربة التي شحنت نفوس القوم بالقوة والعزيمة بعدما كانت عزائمهم محبَطة ومعنوياتُهم منهارة.
وهنا دُوِّن في سجل علي منقبتان جديدتان، إحداهما أرضية والأخرى سماوية، أما المنقبة الأرضية فهي نفس انتصاره على بن ود وهو انتصارٌ للأمة، وأما السماوية فهي هبوط جبرائيل ووقوفه بين السماء والأرض وإيصاله تلك الرسالة الإلهية التي كان مضمونها لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي.
وفي المرة الثالثة التي أحدق فيها الخطر بالإسلام كانت في عهد سيدة النساء فاطمة الزهراء(ع) بُعيد ارتحال أبيها الأعظم(ص) عندما تآمر القوم عليها وأرادوا أن يحرموها من حقها الشرعي، وعندها لم يكن المستهدَف شخص فاطمة أو أرضها فدكاً بل كان المقصود بسلوك القوم هو الشريعة السماوية لأنهم أرادوا أن يغيروا حكم الله عز وجل، وإلا فإن فدكاً كأرض لا قيمة كبيرة لها وقد كانت الزهراء تتصدق على الفقراء يومياً بأكثر من ثمن فدك، فوقفت أمام القوم بكل جرأة وبسالة ودافعت عن الشريعة، والدليل على ذلك هو كلامها الصريح في خطبتها الشهيرة حيث كان كلامها دفاعاً عن القرآن وليس عن حقها الشخصي.
ومن جملة تلك العبارات الكاشفة عن واقع المؤامرة قولها(ع): أنتم عِبادَ الله نصب أمرِه ونهيِه ، وحَمَلَة دينهِ وَوَحْيهِ ، واُمناء الله على أنفسكم ، وبُلَغاؤه إلى الاُمم ، زعيمُ حق له فيكم ، وعهدٌ قدّمه إليكم ، وبقيّةٌ استخلفها عليكم ، كتاب الله الناطق ، والقرآن الصادق ، والنور الساطع ، والضياء اللامع ، بيّنةٌ بصائره ، منكشفةٌ سرائره ، منجلية ظواهره ، مغتَبِطَةٌ به أشياعُه ، قائدٌ إلى الرضوان اتّباعه ، مؤدّ إلى النّجاة استماعُه ، بِه تُنال حججُ اللهِ المُنَوَّرَة ، وعزائِمُهُ المُفَسَّرَةُ، ومحارِمُه المحذّرة ، وبيّناتُه الجالية ، وبراهينُه الكافية ، وفضائله المندوبة ، ورُخَصُه الموهوبة ، وشرائعهُ المكتوبة:
وفي المرة الرابعة أحاط الخطر الفعلي بالإسلام والمسلمين في عهد معاوية والإمام الحسن الذي اضطر بدوره لإجراء الصلح مع ابن أبي سفيان من أجل حقن دماء المسلمين حيث لم يكن بالإمكان مواجهة معاوية عسكرياً لأن الظروف آنذاك لم تكن مؤاتية لجيش الإمام الحسن الذي تفكك بفعل دهاء معاوية، فلو فكر الحسن بعد ذلك بالمنطق العسكري لكتب النهاية للإسلام بيده، ولكن حكمة المعصومين تلعب دورها في رسم المصير، وقد اقتضت الحكمة في ذلك الوقت أن يُجري الإمام الحسن صلحاً مع معاوية عله يستطيع القيام بشيء بعد الصلح، ولكن لغة الغدر التي تعاطى بها معاوية مع أئمة أهل البيت حالت بين الإمام الحسن وتنفيذ مخططاته التي كانت من أجل الإسلام والمسلمين فوُضع السم في طعامه والتحق بالرفيق الأعلى، وقد حفظ الإسلام من الخطر بل دفع الخطر عن الدين بإجراء ذلك الصلح المعلوم الذي لم يكن فيه أي لون من ألوان الذل والهوان كما يدعي بعض المقصرين في تحصيل المعارف واكتساب العلوم وقراءة التاريخ قراءة جيدة.
وقد كان صلح الإمام الحسن مقدمة مباشرة للثورة الحسينية التي تُوجت بالنجاح الباهر.
وفي المرة الخامسة أحدق الخطر الأكبر بدين الله عندما شاءت الظروف السوداء والإرادة الشيطانية أن يتسلم يزيد بن معاوية مقاليد الخلافة فدفع الحسين ظلمه وكيده ومكره بالطريقة المناسبة بعد أن فشلت جميع المحاولات والأساليب لردعه عن غيه فلم يبق أمام الحسين سوى الخيار العسكري حيث لم تكن الظروف في عهد يزيد ملائمة لإجراء أي نوع من أنواع الصلح أو الهدنة لأن الظروف العامة آنذاك كانت هي الحاكمة، فقام الحسين(ع) بتلك الثورة الكبيرة والمباركة والتي أثمرت ثمارها عبر التاريخ والتي تحولت إلى أضخم مدررسة في تاريخ الإسلام وأعظم محطة وأكبر حدث.
وهنا أختم الكلام بقولي: لولا هجرة الحسين من المدينة إلى كربلاء وانبثاق تلك الثورة عنها لتحول الإسلام إلى مجرد حُلم مر مرور الكرام، ولما بقي أثر من آثار الدين ولا مَعلَم من معالم الإسلام.
لولا الثورة الحسينية لما بقي القرآن قرآناً ولا الشرع شرعاً ولما بقي هناك أصول ولا فروع ولا معالم ولاختلط الحق بالباطل ودحض الباطل الحق وسيطر الشيطان على أهل الأرض ولم يبق فيها مكان لذكر الله عز وجل.
وهذه الثورة التي قام بها الحسين حققت من أهدافها الكثير ولكن الأهداف التي لم تتحقق حتى الآن فإنها سوف تتحقق عندما يخرج صاحب العصر والزمان ليتابع الثورة التي فجرها جده الحسين من النقطة التي توقف عندها الحال.
فإلى ذلك الحين نسأل الله العلي القدير أن يجعلنا من جند الإمام وأعوانه وأنصاره إنه سميع مجيب الدعاء.
الشيخ علي فقيه



